Menu

كلب في غزه: وفاء فطري واللامبالاه الإنسانيه المبرمجه في الغرب 

جمال كنج

قبل أكثر من أسبوع، أرسل لي صديق رابطًا لقصة حامد عاشور وكلبه، وهو من فصيلة الراعي الألماني في غزة، مقترحًا أن أكتب عنها. في البداية، بدت لي الفكرة جنونية، لكن ليس لدرجة أن أحذف الرسالة. من باب المصادفة، كنت أعمل على مقال رأي آخر يتضمن كلمة "كلب" في عنوانه، مستلهمًا المثل القائل: "الذيل يقود الكلب".

أعدت مشاهدة الفيديو، وكلما تأملت فيه، ازداد اهتمامي. ففي مقالاتي عن الإبادة الجماعية التي يرتكبها الكيان الصهيوني، غالبًا ما ظهرت الحيوانات كجزء من مشهد الرعب المستمر في غزة، من مقال "غزة: الحمار ومصير الحضارة الغربية" إلى الكلاب الجائعة التي تنهش جثث الضحايا في شوارع المدينة المقفرة.

مثلما قُتل أو شُوّه أكثر من خمسين ألف طفل في غزة، كانت الحيوانات، سواء كانت أليفة أم ضالة، ضحية للإبادة الجماعية الصهيونية. في لغة التخفيف والتجميل للقاموس الصهيوني للحرب، أصبحت كل ضحايا الإبادة مجرد "أضرار جانبية". فالأطفال دُفنوا تحت أنقاض بيوتهم، بعضهم انتُشل شهيدًا، وآخرون أحياء.

والكلاب كذلك، حوصرت، و جوعت و قتلت تحت الركام، تمامًا كما حدث مع الكلب في هذا الفيديو. في تلك اللحظات العصيبة، تتلاشى الفوارق بين الإنسان والحيوان؛ يعبّرون عن الألم بنفس الأنين، ويتوجّعون بنفس الوجع، ويتصارعون من أجل البقاء حتى آخر نفَس.

اللافت أن الكلاب التي بقيت في غزة، رغم التجويع، كانت أوفر حظًا من تلك التي تسللت إلى المستوطنات اليهودية المجاورة. فكلاب غزة، رغم المجاعة، ما زالت على قيد الحياة. أما تلك التي هربت من القطاع إلى منطقة النقب، فقد اعتبرها الصهاينة خطرًا وتم التخلص منها بالقتل المنظم.

نعود إلى كلب الراعي الألماني في غزة. أعاد حامد عاشور نشر قصة كتبها مسبقًا، قبل عام، على صفحته في فيسبوك، واصفًا إياه بأنه "كلب طيب ومخلص وأصبح رفيقي". تحديا معًا جريمة القتل، وتقاسما علب الطعام التي وزعتها الأمم المتحدة، قبل أن يخرق نتنياهو الهدنة الأخيرة ويعيد الحصار الشامل على القطاع في مارس الماضي.

أعادتني قصة هذا الكلب إلى ذكريات طفولتي في مخيم نهر البارد، وتحديدًا إلى سبتمبر 1972، حين قصفت الطائرات الإسرائيلية—الأمريكية الصنع—أطراف المخيم الذي كنا نعيش فيه. قاطع النهر من موقع الغارة، كان هناك مكب للنفايات ومزارع صغيرة تحيط بها سياجات قصب كثيفة. كان المكب يحتوي أيضًا على فضلات الجزارين من العظام والشحوم، أو ما كنا نسميه "شَبَط". وكانت الكلاب البرية تعيش بين القصب بالقرب من المكب لتخرج ليلًا للبحث عن هذه الفضلات.

في الصباح الباكر، كنا نحن الصغار نتسابق لمطاردة الكلاب واستعادة العظام لتكديسها بجانب المزبلة. وكل يوم جمعة، كان يأتي شخص لبناني على عربة يجرها بغل من مدينة طرابلس لشراء العظام. كنا نبيعها بحوالي 35 قرشًا، أي بأقل من ربع دولار، نتقاسمها بين ثلاث أو أربع أطفال.

عقب الغارة الجوية، هربت الكلاب الناجية من القصف باحثة عن ملجأ لها في أزقة المخيم، منهكة وتجر ذيولها بين أرجلها، ورؤوسها منخفضة من شدة الخوف، وكأنها تتوسل إلينا ألا نعتدي عليها. ذكرني ذلك بما كنت أسمعه من والدتي وجدتي (رحمهما الله) عند وصفهما شخصًا سيطر عليه الخوف: "ماشي وذيله بين رجليه".

مثل حامد الذي احتضن الكلب في خيمته الصغيرة في غزة، لم نر في الكلاب منافسين لنا على العظام، بل أصحاب أرواح وشركاء لنا في مواجهة عدو مشترك. غريزة البقاء وحدتنا. ولأيام، عاشت الكلاب معنا في الأزقة، تشاركنا الملجأ والمأوى. وبعد حين، ومع نعمة النسيان وشعور من الاطمئنان، عادت الكلاب إلى أوكارها، وعدنا نتطارَد وراء العظام، وكأن جزءًا من هذه الحياة عاد إلى مساره.

لكن إدراكي الحقيقي للعلاقة مع الكلب لم يأتِ إلا عندما أصبح عندنا أول كلب راعي ألماني في المخيم. علّمني ذلك الصديق أن الإخلاص هو أن تعطي بلا مقابل، وأن الصداقة الحقيقية تنمو في المحن والمشاركة في حياة البؤس.

في غزة اليوم، أصبحت قصة الكلب عنوانًا في الصحافة الدولية، تُرجمت إلى سبع لغات، وقرأها أكثر من خمسة ملايين إنسان. وتلقى حامد عاشور اتصالات من منظمات لحقوق الحيوان تستفسر عن الكلب، وتطلب صورًا له مع خيمته.

كانت الردود مذهلة: تعاطف كبير واهتمام لافت—بالكلب. أما صاحبه الذي أنقذه وشاركه علبة الطعام، فلم يلتفت إليه أحد، بل بالكاد ذُكر اسم حامد في دور ثانوي للقصة.

ولكن السؤال: لماذا لم أُصَب بالدهشة لطبيعة هذه الردود؟

لأننا في عالم فقد الإحساس بمعاناة الفلسطينيين. فتجاهل الإنسان الفلسطيني لصالح كلبه ليس استثناءً، بل تعبير عن خلل أعمق في أخلاق العقلية الغربية. إنه نتيجة لحملة صهيونية إعلامية طويلة، بدأت قبل السابع من أكتوبر، و عملت على نزع الإنسانية عن الفلسطينيين من خلال أدواتها: هوليوود والإعلام الغربي. لقد عملت "الهاسبارا" الصهيونية المنظمة على برمجة العقل الغربي لتمحو الفلسطيني من الصورة. فلم يُمحَ حامد وحده، بل كان جزءًا من تغييب الوجه الفلسطيني المستمر منذ 77 عامًا.

عقود من التشويه الإعلامي المنهجي جعلت من الفلسطينيين "الآخر" دائمًا. حتى من يدّعون التعاطف والعدالة وقعوا في فخ تحيّز من حيث لا يدرون، وأسّس لعنصرية مقنعة تسللت من  خلال الأفلام والنشرات الإخبارية بشكل بريء.

ليس من الخطأ أن يتعاطف الناس مع كلب، أو أن يروه ضحية "ليس له فيها ناقة ولا جمل". لكن، هل سيأتي يوم يدرك فيه الغرب أن الفلسطينيين أيضًا ضحايا مشروع لم يكونوا جزءًا منه، مشروع استيطاني نشأ من رحم مشاكل الغرب التاريخية ودفع الفلسطينيون ثمنه نيابه عن أوروبا؟

ربما، في هذه الأيام، لا يزال حامد عاشور وكلبه يتشاركان علبة طعام كل يوم أو يومين. لكنني على يقين، أنه لو خُيّر هذا الكلب بين الأمان في أوروبا أو البقاء مع الرجل الذي أنقذه، لاختار الكلب البقاء إلى جانب حامد، رغم القصف والتجويع والحصار.

ذلك لأن الكلاب، على عكس البشر، لا تزيف مشاعرها ولا تتصنع التعاطف. وفاؤها فطري.. غير مشروط وغير مبرمج.